العلامة المجلسي

185

بحار الأنوار

والله أعلم بمقاصد أوليائه سلام الله عليهم أجمعين ( انتهى ) . وأقول : يمكن أن يكون في الكلام استعارة كما يقال ( بيت العز ) ودار الشرف ) تشبيها للتدبير بفلك هو مدبره ، وهذا النوع من الكلام شائع عند العرب والعجم . ثم قال - ره - : خطابه عليه السلام للقمر ونداؤه له ووصفه بالطاعة والجد والتعب والتردد في المنازل والتصرف في الفلك ربما يعطي بظاهره كونه ذا حياة وإدارك ، ولا استبعاد في ذلك نظرا إلى قدرة الله تعالى ، إلا أنه لم يثبت بدليل عقلي قاطع يشفي العليل ، أو نقلي ساطع لا يقبل التأويل ، نعم أمثال هذه الظواهر ربما تشعر به ، وقد يستند في ذلك بظاهر قوله تعالى ( كل في فلك يسبحون ( 1 ) ) فإن الواو والنون لا يستعملان حقيقة لغير العقلاء ، وقد أطبع الطبيعيون على أن الأفلاك بأجمعها حية ناطقة عاشقة مطيعة لمبدعها وخالقها وأكثرهم على أن غرضها من حركاتها نيل التشبه بجنابه والتقرب إليه جل شأنه ، وبعضهم على أن حركاتها لورود الشوارق القدسية عليها آنا فآنا ، فهي من قبيل هزة الطرب والرقص الحاصل من شدة السرور والفرح ، وذهب جم غفير منهم إلى أنه لا ميت في شئ من الكواكب أيضا حتى أثبتوا لكل واحد منها نفسا على حدة تحركه حركة مستديرة على نفسه ، وابن سينا في الشفاء مال إلى هذا القول ورجحه ، وحكم به في النمط الخامس من الإشارات ، ولو قال به قائل لم يكن مجازفا ، وكلام ابن سينا وأمثاله وإن لم يكن حجة يركن إليها الديانيون في أمثال هذه المطالب إلا أنه يصلح للتأييد ، ولم يرد في الشريعة المطهرة على الصادع بها أفضل الصلوات وأكمل التسليمات ما ينافي هذا القول ، ولا قام دليل عقلي على بطلانه ، وإذا جاز أن يكون لمثل البعوضة والنملة فما دونهما حياة فأي مانع من أن يكون لتلك الاجرام الشريفة أيضا ذلك ؟ وقد ذهب جماعة إلى أن لجميع الأشياء نفوسا مجردة ونطقا ، وجعلوا قوله تعالى ( وإن من شئ إلا يسبح بحمده ( 2 ) ) محمولا على ظاهره ، وليس غرضنا

--> ( 1 ) يس : 40 . ( 2 ) الاسراء : 44 .